صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
8
شرح أصول الكافي
إذا تقرّرت هذه المسائل الاصوليّة فلنرجع إلى الشرح فنقول : الزنديق لفظ معرّب والجمع الزنادقة وقد تزندق والاسم الزّندقة ، قال الليث : وزندقة المرء ان لا يؤمن بالآخرة ووحدانيّة الخالق ، وعن تغلب معناه ما يقوله العامة : ملحد ودهرىّ ، وهذا المعنى الثاني أولى ، فانّ المراد به من ينكر الصّانع أصلا ، لا من اعتقده اثنين كالثنوية القائلين بالهين اثنين . وعن ابن دريد : انّه فارسي معرّب وأصله زندهاى يقول بدوام بقاء الدهر . وفي مفاتيح العلوم : الزنادقة هم المانويّة وكان المزدكية يسمّون بذلك ، ومزدك هو الّذي ظهر في ايّام قباد الملك وزعم انّ الأموال والحرم مشتركة واظهر كتابا سماه زندا وهو كتاب المجوس الّذي جاء به زردشت الّذي يزعمون انّه نبيّ فنسب أصحاب مزدك إلى زند وعربت الكلمة ، فقيل : زنديق ، والدّهر يراد به الزّمان ويجمع على الدّهور وقد يراد به الزّمان الطويل ومدّة حياة الدّنيا . والفلاسفة المتقدّمون أطلقوا كلّ واحد من الزمان والدّهر والسّرمد على معنى آخر فقالوا : نسبة المتغيّر إلى المتغيّر زمان ، ونسبة المتغيّر إلى الثابت دهر ، ونسبة الثابت إلى الثابت سرمد ، ولعلّ المراد من الزمان مدّة دوام المتغيّرات ومن الدّهر بقاء معيّة المتغيّر بالثابت كدوام الفلك بالملك وبقاء الملك بالملكوت وان كان أحدهما متجدّدا في كل حين والآخر مستمرّا ، ومن السّرمد البقاء المطلق الّذي لا تغيّر فيه أصلا . ومن النّاس من زعم انّ الزمان مقدار الوجود مطلقا ، فجعل كلّ موجود زمانيا حتّى البارئ ، تعالى عنه علوّا كبيرا ، ومنهم من جعل الزمان واجب الوجود لذاته بناء على شبهة وقعت لهم ، وهي : انّ الزمان غير جائز العدم لذاته ، وكلّ ممتنع العدم لذاته واجب الوجود لذاته ، فالزّمان واجب الوجود لذاته ، امّا الصغرى فلانّه لو جاز عدمه لكان العدم سابقا عليه أو لاحقا به وهذا السبق واللّحوق لا يكون إلّا بالزّمان ، فيلزم من فرض عدمه وجوده وهو محال ، وامّا الكبرى فظاهرة . والجواب : انّ عدمه ليس منحصرا في كونه سابقا أو لاحقا بل يجوز ان لا يكون موجودا في ذاته أصلا ، وامّا الوارد في الحديث : لا تسبّوا الدهر فان الدهر هو اللّه ، وفي رواية : فانّ اللّه هو الدّهر ، والوجه في ذلك : انّهم إذا اصابتهم قوارع الدهر وحوادث الزمان ونوائبه نسبوها إلى الدهر وسبّوه بذلك ويكثرون ذلك في اشعارهم وخطبهم فنهاهم النبي صلّى اللّه عليه وآله عن ذمّ الدهر وسبّه ان لا تسبّوا فاعل هذه الأشياء ، فإنكم إذا سبّبتموه وقع السب